وجه لبنان المستعاد: لا وصاية ولا ولاية

الدكتور داود الصايغ

«Vers l’Orient compliqué je volais avec des idées simples» Charles de Gaulle

“صوب الشرق المعقّد كنت أحمل أفكارًا بسيطة”

من مطلع “مذكّرات الحرب” لشارل ديغول

لم يأتِ إيمانويل ماكرون إلى لبنان ليثبّت أقدام فرنسا في الشرق. فهو ليس بحاجةٍ إلى ذلك. بل جاء ليثبّت أقدام اللبنانيين في ترابهم وتاريخهم وحاجة العالم إليهم. إنه جاء صديقًا وليس واليًا. جاء ليحرّره من الولاة، ومن طغيان الوصايات والمحاور القاتلة. كونه قرأ لبنان كتابًا في الزمان، بعدما شدّته إلينا فاجعة مرفأ بيروت، فحضر بعد يومين فقط من وقوعها، وذلك قبل الآخرين بكثير.

إنه لم يقل عن عبث في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتّحدة في 24 أيلول الفائت أن لبنان هو كنز. لعله كنزٌ في كتاب أو كتابٌ في كنز، لا فرق، أرشدته إليه تلك النجمة المشرقية الأبدية التي جعلت سلفه الكبير شارل ديغول يقول عام 1941 وهو في طريقه إلى بيروت: “صوب الشرق المعقّد، أنا أجيء بأفكارٍ بسيطة”.

إنه لم يضيع الطريق بل أضاع رفاق الطريق. ظنّ وهو وريث ثورات الحرّية وأجيال النور والعطاء للحضارات العالمية، أن ما يحمله في عقله من إرثٍ لا بدّ أن يلتقي مع ذلك الإرث اللبناني الذي كوّنته الأجيال، وآلت مصائره إلى حفنة من المسؤولين والسياسيين لم يتردد لحظة بوصفهم بالخونة.

إنه فُجع بالسياسيين اللبنانيين. ظنّ أنهم رفاقه في رحلة إعادة الاهتداء إلى ذلك الكنز، فاكتشف أن ما يهمّهم، أو ما يهمّ معظمهم هو كنوزٌ من نوعٍ آخر. إنه قسا، لأنه حكى بلغة المتمرّدين، أو لعله كان لا يزال يسمع أنين ضحايا المرفأ من تحت التراب، حين حضر إلى بيروت في 6 آب الماضي، وتجوّل أول ما تجوّل في موقع الفاجعة. دخلت المأساة في قلبه قبل أن يكتشف أن معظم من التقاهم وخاطبهم من مسؤولين لا قلوب لديهم.

كان بمستطاع إيمانويل ماكرون أن يصدر بيانًا رسميًا عن قصر الإليزيه بعد اعتذار رئيس الحكومة المكلّف، ليقول فيه رأيه بما جرى إثر مبادرته وزيارتَيه إلى بيروت وتعثّر مسعاه. لم يفعل ذلك. بل آثر، وهو الذي بدا كأنه حمل أثقال المآسي اللبنانية كلّها بدلًا عن الذين كان يُفترض بهم حملها، أن يتوجّه مباشرة إلى الشعب اللبناني، الذي ميّزه بوضوحٍ عن مسؤوليه وسياسييه، الغارقين في حسابات تأليف الحكومة ومصالح التحالفات الخارجية وجبهات الممانعة. إنه يريد موقعًا لفرنسا في الشرق الأوسط، كما اتّهمه أخصام مبادرته؟ ولماذا موقع لبنان، إنه رئيسُ دولةٍ عظمى هي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، والركن الأساسي مع ألمانيا في الاتّحاد الأوروبي، وها هي فرنسا تقول كلمتها اليوم في كلّ ما يجري في منطقة البحر المتوسّط من ليبيا إلى اليونان، في مواجهة جادة مع تركيا، في حفظ الموقف الصلب إزاء روسيا، ولو في مرونةٍ ظاهرةٍ مع إيران ترجع إلى التباين حولها مع واشنطن. كلّا. إنه ليس بحاجة إلى موقع قدمٍ في الشرق العربي لأن توجّهه اللبناني يستند بالدرجة الأولى إلى الصداقة والتعاطف، في ما يخالف تحرّكات الدول الأخرى قريبة كانت أم بعيدة. وقريبة بنوعٍ خاص، وقد عانى لبنان من أخوتها عقودًا طويلة.

ولذلك، لم يكن ماكرون ضائعًا، ولو أن بعض المسؤولين والسياسيين حمّلوه هواجسهم الخاصة وليس هواجس لبنان. ولذلك فإن ما جرى في قصر الإليزيه، مساء ذلك الأحد في 27 أيلول الماضي لم يكن فقط شرح ما جرى في لبنان، بل الإعلان عن الفضيحة التي طاولت المسوؤلين اللبنانيين، وذلك على واحدٍ من أعلى المنابر العالمية.

ومع ذلك وُجِد من يقول له لا نريدك واليًا علينا. الوالي الآخر، ولايته مشروعة في رأيهم وتدخّله مشروع. هذا كلّه مباح في رأيهم، باسم جبهة أسموها بالممانعة، فُرِضت على ذلك الوطن الكنز-الرسالة، باسم اعتبارات سهّلتها الأيدي العابثة، وفي طليعتها أيدي نظام الوصاية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي وإدخالها الحرس الثوري إلى لبنان خدمة لمصالحها كما هو معروف وليس بالتأكيد لمصلحة لبنان.

الآن اختلف الوضع كثيرًا. اِنتبهوا: لبنان اليوم بات بين أيدي العالم الآخر. أبوابه القديمة فتحت ليظهر معها وجهه الآخر، وجهه الأصيل، ذلك الذي أدرك كنهه ماكرون، وسائر الغرب. إنه ليس بوالٍ بكلّ تأكيد، لا هو يرضى بذلك ولا اللبنانيون، ولكن لن يكون هناك بعد اليوم والٍ آخر، فقيهًا كان أم غير فقيه. والذين نصبوا أنفسهم ولاةً على الآخرين هم إلى زوال، لأن منطق الأحداث ومنطق التاريخ يقول بذلك. إذ ليس هنالك من شرعة أو من حق لأي جهة كانت أن تبرر ممارسة الولاية على لبنان.

لقد تمّ رفض ذلك والتمرّد عليه. وأول المتمرّدين الدوليين كانت فرنسا ايمانويل ماكرون. إذ إنه خاطب حلفاء إيران في لبنان بكلامٍ لم يسبقه إليه أحد، وسكت الجميع، أو أنهم ردّوا بكلامٍ هو أضعف بكثير من منطق الرئيس الفرنسي. لأن فرنسا هي بلد المنطق قبل أن تكون بلد السياسة. من ديكارت إلى مونتسكيو، إلى روسو، وأمثالهم الذين غيروا العالم بالكلام، وحضروا للتمرد والانتفاضات على كل ما لا يخضع للمنطق. ولقد تمّ ذلك في لبنان قبل إيمانويل ماكرون ومعه، من قبل غالبية الللبنانيين، الذين رفعوا مطلب الحياد، وأيّد معظمهم مطلب البطريرك بشارة الراعي، نعم الحياد. بالفم الملآن، ولا شيء غيره بعد اليوم.لأنه مطلب صادر عن غضب. فلقد استيقظ اللبنانيون. نعم إنهم استيقظوا، ونبذوا كلّ من هو ولي عليهم من داخل أو من خارج. لعل ضجيج المرفأ الذي لم تصل أصداؤه إلى آذان كبار المسؤولين هو ذاته الذي جاء بفرنسا، ثم بالعالم إلى لبنان. فلبنان اليوم هو في حالة تدويل. نعم. قوّات الطوارئ الدولية في الجنوب باتت تنتشر في المرفأ، وغدًا على كامل الحدود وفق منطق القرار 1701، مع القرارات الدولية الأخرى وفي طليعتها القرار 1559، من دون أن ننسى انتشار القوات البريطانية على الحدود الشمالية، والمساعدات المستمرة دائمًا للجيش اللبناني من قبل واشنطن. لم ننسَ ولن ننسى.

فليس من باب المصادفة الإعلان عن مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل في مفاوضات مباشرة بواسطة الأميركيين؟ كلا. ليس ذلك عن عبث. لبنان، بعد كوارثه، بعد كوارثه بخاصة بعدم مسؤولية مسؤوليه، أيقظ العالم إليه من جديد، وكان فضل باريس قبل واشنطن ومعها أن أعينهما فتحت واسعًا على ذلك البلد الكنز الذي لا يكون الشرق بدونه، والذي على الآخرين كلّ الآخرين أن يقاربوه بأفكار بسيطة جدًا: اِتركوه جانبًا، انه كيان من نوع آخر، لمصلحتكم ومصلحة الجميع تتوجب المحافظة عليه وليس العبث فيه.

لقد جاء الوقت.

االمصدر : النهار

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاهد أيضاً

دبوسي للحريري: استبشرنا خيراً بتكليفكم تشكيل الحكومة الجديدة

وجّه رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي توفيق دبوسي رسالة الى الرئيس …