الجسر يوجه كتاباً مفتوحاً لرئيس الجمهورية.. ماذا تضمن؟

كتاب مفتوح
الى
فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية
العماد ميشال عون المحترم
فخامة الرئيس،
تحية وبعد،
لقد قرأت بحزن شديد الرسالة التي تضمنت ملاحظاتكم على مشروع المناقلات القضائية التي أعدها مجلس القضاء الأعلى، والتي تلفتون فيها الى إعادة النظر في هذه المناقلات متمنياً إبلاغها من الوزراء المعنيين على سبيل الإطلاع والإعتبار….
ولأني أعرف، بأن وقتكم لا يتسع لكتابة الرسالة بتفاصيلها الدستورية والقانونية ولا بالتبريرات التي تضمنتها بما يوازي أربع صفحات بالتمام والكمال، وأنكم حتماً أسندتم تحريرها الى المستشارين، فقد رأيت من الواجب أن الفت فخامتكم الى ما فات المستشارين ربما أو الى ما إجتهدوا اليه في تأويل النصوص لإستنباط أحكام تخرج عن أحكام الدستور والقانون.
لقد أكد الدستور على وجود سلطة قضائية تتولاها المحاكم ضمن نظام ينص عليه القانون ويحفظ بموجبه للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة كما أكد الدستور على أن شروط الضمانة القضائية وحدودها يعينها القانون.
فالمادة 20 من الدستور تنص على ما يلي:
“السلطة القضائية تتولاها المحاكم على إختلاف درجاتها وإختصاصاتها ضمن نظام ينص عليه القانون ويحفظ بموجبه للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة.
أما شروط الضمانة القضائية وحدودها فيعينها القانون…”
إن أحد أركان الضمانة القضائية في لبنان هو إستقلالية القضاء ولقد ذهب المشرع اللبناني في المرسوم الإشتراعي رقم 150 تاريخ 16/9/1983 وفي المادة الرابعة منه على النص عن ذلك حيث ورد:
“المادة 4: يسهر مجلس القضاء الأعلى على حسن سير القضاء وعلى كرامته وإستقلاله وحسن سير العمل في المحاكم ويتخذ القرارات اللازمة بشأنها”.
وهذا دأب الحال في فرنسا التي أخذنا عنها أو إستوحينا الكثير من تشريعاتنا منها، ففي فرنسا أصبح دور مجلس القضاء الأعلى الفرنسي هو ضمان إستقلال قضاة السلك القضائي بوجه السلطة التنفيذية.
En France, le conseil supèrieur de la magistrature (CSM) a pour rôle de garantir l’indépendence des magistrats de l’ordre judiciaire par rapport au pouvoir exécutif.
وتطبيقاً للنص الدستوري ولنص المادة 4 من قانون القضاء العدلي، أعاد القانون رقم 389 تاريخ 21/12/2001 صياغة المادة /5/ من المرسوم الإشتراعي رقم 150 لعام 1983 في ما خص التشكيلات على الشكل التالي:
“المادة 5: بالإضافة الى المقررات التي يتخذها مجلس القضاء الأعلى والآراء التي يبديها في الحالات المنصوص عليها في القانون والأنظمة تناط به الصلاحية التالية:
أ‌- وضع مشروع المناقلات والإلحاقات والإنتدابات القضائية الفردية أو الجماعية وعرضها على وزير العدل للموافقة عليه.
ب-لا تصبح التشكيلات نافذة إلا بعد موافقة وزير العدل.

  • عند حصول خلاف في وجهات النظر بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى تعقد جلسة مشتركة بينهما للنظر في النقاط المختلف عليها.
  • إذا إستمر الخلاف بنظر المجلس الأعلى مجدداً في الأمر للبت فيه ويتخذ قراره بأكثرية سبعة من أعضائه ويكون قراره في هذا الشأن نهائياً وملزماً.
  • تصدر التشكيلات القضائية وفقاً للبنود السابقة بمرسوم بناء على إقتراح وزير العدل “.
    نفهم من ذلك ما يلي:
    • إن صلاحية وضع مشروع المناقلات هو للمجلس وإن التشكيلات لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة وزارة العدل.
    • إنه عند وجود خلاف يصار الى جلسة مشتركة بين المجلس والوزير.
    • أنه إذا إستمر الخلاف ينظر مجلس القضاء الأعلى مجدداً بالأمر على ضوء ملاحظات الوزير.
    • إن المجلس عندها عليه أن يتخذ قراره بأكثرية سبعة أعضاء من عشرة.
    • إن القرار المأخوذ بسبعة من عشرة يصبح نهائياً وملزماً
    بمعنى آخر أنه من ضمن التعاون بين السلطات للوزير أن يبدي ملاحظاته، وللمجلس أن يقرر بنصاب معين تصبح من بعدها التشكيلات والمناقلات نهائية وملزمة.
    وهذا يعني بمفهوم القانون أن صلاحية السلطة التنفيذية هي صلاحية مقيدةcompétence liée والصلاحية المقيدة هي السلطة التي يلتزم صاحبها بإستخدامها، سواء شاء ذلك أم لا وهذا المفهوم يتناقض مع السلطة الإستنسابية.
    Une compétence liée est, en droit administratif, un povoir que son détenteur est obligé à l’utiliser qu’il le veuille ou non. Cette notion s’oppose à celle du pouvoir discrétionnaire.
    وكذلك يراجع:
    Compétence liée:
    une autorité administrative est en situation de compétence liée lorsqu’elle est obligée de prendre une décision précise si elle constate que certaines conditions sont remplies. Elle n’a alors aucun pouvoir d’appréciation.
    Reference : https://www.conseil-etat.fr/Glossaire
    وكذلك يراجع:
    Lexique des termes juridiques :
    Ed. Dalloz 2012
    تحت عنوان:
    Pouvoir hiérarchique
    La compétence de l’administration est liée si la réunion des conditions l’oblige à prendre l’acte.
    وأمام صراحة نص المادة /5/ فقرة ب بأن التشكيلات تصبح نهائية وملزمة ولا يعود هناك مجال لأي تغيير.
    فبعد أن أعدَّت معالي وزيرة العدل مشروع المرسوم ووقعته وكذلك بعد أن جرى توقيعه من قبل معالي وزيرة الدفاع ودولة رئيس الحكومة فهل يبقى لفخامتكم الخيار في عدم التوقيع؟
    إن المرسوم لا يخرج عن كونه قراراً إدارياً يستلزم التوقيع عليه من قبل من يلحظ القانون وجوب حمل تواقيعهم. ومرسوم التشكيلات لا يخرج عن كونه قراراً إدارياً كما يوضح تعريف المراسيم.
    Définition du décret: un décret est un acte administratif de portée générale ou individuelle émanant du pouvoir exécutif. Il peut instaurer des règles de droit applicables à tous ou ne concerne qu’une seule personne.
    صحيح أن هناك نوعان من المراسيم، تلك الصادرة بناء لقرار مجلس الوزراء وأخرى عادية تصدر عن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزير أو الوزراء المختصين من دون أن تكون مستندة الى قرار من مجلس الوزراء.
    فالمراسيم التي تصدر بناء على قرار صادر عن مجلس الوزراء أعطى الدستور لفخامة رئيس الجمهورية صلاحية إقرارها وطلب نشرها… كما أعطاه حق طلب إعادة النظر في أي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إيداعه رئاسة الجمهورية. وإذا أصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ أو إنقضت المهلة دون إصدار المرسوم أو إعادته يعتبر القرار أو المرسوم نافذاً حكماً ووجب نشره.
    وإذا كان الدستور قد نظم أمر إصدار المراسيم المبنية على قرار مجلس الوزراء وحق طلب فخامة الرئيس إعادة النظر فيها فإنه لم يفعل ذلك بالنسبة للمراسيم العادية.
    فماذا عن المراسيم العادية؟ وهل لفخامة الرئيس صلاحية إبداء الملاحظات أو رفض توقيع المرسوم صراحة أوضمناً..
    هنا يجب التمييز بين حالتي الصلاحية المقيدة والصلاحية غير المقيدة. ففي الصلاحية غير المقيدة حق فخامة الرئيس كحق رئيس الحكومة والوزير مطلق وهم غير ملزمين على إصدار أي قرار إداري كما لهم الحق في الإمتناع عن التوقيع… ويكفي عدم التوقيع على المرسوم لإيقاف إصداره.
    أما في حالة الصلاحية المقيدة المبنية على قانون فلا يكون لأي من المطلوب توقيعهم على المرسوم عدم التوقيع وبالتالي عدم إصدار المرسوم لأن في ذلك تعطيل بالإمتناع للقانون ولتنفيذه… ومن واجبات السلطة التنفيذية السهر على تنفيذ القوانين والأنظمة…م. 65 من الدستور ومن واجبات فخامة الرئيس بما أدلاه تحت القسم “إحترام دستور الأمة اللبنانية وقوانينها” (الدستور م. 5) وإحترام القانون يكون بتنفيذه وتطبيقه…
    إن القول يا فخامة الرئيس، على لسانك بأن لفخامة الرئيس الحق في إبداء الملاحظات وإعادة مشروع المرسوم لرئاسة الحكومة مع التمني بإبلاغها من الوزراء للإطلاع والإعتبار فيه تَزَيُّدٌ كان يكفيك عنه مجرد رفض التوقيع في موقع الصلاحيات غير المقيدة.
    إن القول يا فخامة الرئيس، على لسانك بأن “واجب رئيس الجمهورية دستورياً التدخل بمعرض المناقلات القضائية إذا ما رأى أن ثمة خللاً حاصلاً من شأنه أن يمس وحدة السلطة القضائية وإستقلاليتها… فكلام فيه إساءة مباشرة لك، لأنه لا يخرج عن كونه تغطية مكشوفة للتدخل السياسي في القضاء وتسييس له، في الوقت الذي بحت أصوات الناس في الساحات وفي المنتديات وتحت قبة البرلمان لمنع تسييس القضاء الذي يجدون فيه خشبة الخلاص من وحول الفساد الذي أوصل البلد الى ما وصل إليه.
    إني أصدقك القول، يا فخامة الرئيس بأنه القرار الخطأ في الزمن الصعب … في الزمن الذي أكثر ما يحتاجه لبنان في أزمته الاقتصادية والمالية الى مساعدة أصدقائه الذين من أوائل شروطهم قضاء مستقل يكبح جماح الفساد ويوقف نزيف الهدر.
    يكفيك فخراً يا فخامة الرئيس أنك أنت من رشحت وعملت على إختيار رئيس إستثنائي لمجلس القضاء الأعلى وأعوانه ولا بد أنك كنت تتوقع من أمثالهم جحوداً نبيلاً من أجل إستقلالية القضاء.
    سمير الجسر

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاهد أيضاً

طرابلس الكبرى تحضر بيت الوسط

استقبل الرئيس سعد الحريري عصر اليوم في “بيت الوسط” وفدا من غرفة التجارة والصناعة والزراعة …