مات سعيد فريحة مرتين (بقلم جورج عبيد)

بقلم جورج عبيد –

دار الصيّاد مدى لانبثاث الأنوار، وقد كانت محطتي وحنيني في لحظات الشدّة ومحطّات الأحداث التي عانى منها لبنان واكتوى.
قبل أن أدركها في مطلاتها العديدة، سمعت والدي إميل عبيد وهو أديب ومربٍّ يروي كيف تعرّف على سعيد فريحة مؤسس هذه الدار في حلب، وكان والدي يشغل رئيس قسم الدراسات العربيّة في الجامعة الأميركية في حلب Aleppo College. هناك في الشهباء كان لقاؤهما، فرآه على بهاء كبير، وقد جذبته عصاميّته وأحبّ جديّته في العمل وارتاح إلى مرحه في ليالي السهر، وكان قلمه قد بدأ يسيل ويرشح كلمات تحاكي قلوب الناس وعقولهم ببساطتها وعمقها في آن.

عاد سعيد فريحة من حلب إلى بيروت، فكانت الصياد فلذة كبده. انطلق الرجل في عصر التحوّلات التاريخيّة الكبرى، في لحظة قد بدأ لبنان وسوريا يشرفان على استقلالهما، والخليج العربيّ يتكوّن بنفطه وماله، وفي الوقت عينه كانت فلسطين معدّة للذبح. إنطلقت الدار في عصر التناقضات المتداخلة واللحظات الجديدة المعدّة لمشرق عربيّ ظلّ مسرحها لحقبة طويلة من الزمن، وكانت دار الصياد بدورها مع مؤسسها سعيد فريحة تواكب تلك اللحظات إلى جانب جريدة النهار والأهرام في مصر.

إنطلقت دار الصياد بهذا الزخم، وتشعبت اهتماماتها نحو مواضيع عديدة منها الفنيّة والثقافية والاقتصادية-الماليّة والسياسيّة. جمال هذه المؤسّسة انكشف بتنوّع اهتماماتها ومواضيعها. وكان المؤسّس يعمل وينطلق بكرم، فالكرم مصدر الجود والنجاح، ورحم لانبلاج السطوع. يكفي المجلاّت التي جعلها نافذة لهذا الصرح أطلّ بها إلى كلّ الشرائح، وساهم غير مرّة بنهضة لبنان الفنيّة والثقافيّة في اللحظة الذهبيّة التي نعم بها لبنان بمهرجاناته، لا سيّما مهرجانات القلعة في بعلبك. ودار الصياد تواكب وتؤسس لتلك اللحظات الذهبيّة، فقد كان سعيد عقل شاعر لبنان العظيم أحد كبار روادها إلى جانب الرحابنة وصباح وأم كلثوم وفريد الأطرش ووديع الصافي وفيليمون وهبة….

الكلام في هذا الإرث يفترض أن يعني آل فريحة الكرام أي بسّام وعصام وإلهام والعائلة جمعاء. كما يعني كلّ من عمل في تلك الدار كاتبًا ومحررًّا… كبار الصحافيين انطلقوا وعملوا فيها، من جان عبيد وسمير عطالله إلى مصطفى أمين إلى سليم نصار وصولاً إلى رفيق خوري وفؤاد دعبول وجورج طرابلسي وجورج برباري وداوود الصايغ وعبد الغني طليس أطال الله بأعمارهم وجورج إبراهيم خوري ونبيل خوري ورياض فاخوري ونقولا صيقلي وحسان خوري رحمهم الله ولكن قبل أن يعني الكتّاب الباقين منهم أو الذين رحلوا، فهو يعني عائلة سعيد فريحة. ومهما يكن من أمر، ومهما تكن الظروف قاسيّة حتى الفجور والجنون، أو حتى الضياع والفراغ، فإن السؤال المطروح بإلحاح، لو كان سعيد فريحة لا يزال عائشًا فيما بيننا، فهل كان ليتخلّى عن ذاته المكنونة والمطبوعة في كل زاوية من زوايا الدار، وعن وجهه الساطع في كلّ مجلّة تأسست على يديه، وعن حضوره الفذ في امتداد الدار من لبنان إلى دنيا العرب وقد كان الرسول الأمين والسعيد المولّد لأزمنة الإبداع الراقية والطيبة؟ والسؤال الأكثر إيلامًا هل كان ليتخلّى بهذه الطريقة عن رفاق له ليتم إغلاق الدار بهذه الطريقة؟

لم أعرف سعيدًا على المستوى الشخصيّ، فحين توفي كنت صغيرًا. عرفته من حكايا والدي، وعرفته في مراحل لاحقة مع أولاده عصام وإلهام، ولم يتسنّ لي أن أعرف بسّامًا كثيرًا إلاّ لحظة وداع والدته، وعرفته أيضًا في سعيد الحفيد الصديق الحبيب. ورأيته يتجوّل خفية في الدار من طابق لآخر يطمئنّ إلى سير العمل فيها وإلى كتابها والمسؤولين فيها ويبتسم ابتسام الرضى. لقد كانت الدار بمكاتبها ومحرريها مدى لي، أزورها وأرتوي من أخبار تفد إليها وأفرح بلقاء فؤاد دعبول ورفيق خوري وجورج طرابلسي وجورج برباري أطال الله بأعمارهم وبرياض فاخوري وحسّان خوري ونقولا صيقلي رحمهم الله. في مكتب فؤاد دعبول التقيت بقادة وسياسيين وتمازجنا الآراء وإياهم، لن أنسى اللقاء بالمرحوم داني شمعون قبل اغتياله وعائلته بأسبوعين ونيف، وكنا فؤادًا وجورج برباري وأنا، رجوته أن ياخذ عائلته إلى فرنسا لقضاء فترة من الزمن ريثنا تهدأ الأمور، فأتى جوابه حاسمًا أريد أن أبقى لبنان بحاجة لنا، فهل نخلّص لبنان ونحن بعيدون عنه؟ لن أنسى سهراتنا مع إيلي الفرزلي ونقولا فتوش وكثيرين كانوا في موقع المسؤولية، وكل ذلك تمّ في رحاب دار الصياد وجريدة الأنوار.
أمّا المشهد المؤلم لي، فكان يوم الثالث عشر من شهر تشرين الأول من سنة 1989. فحين تمّ إعلان وقف إطلاق النار، خرجت من الملجأ في الحازمية وتجوّلت في الحازمية لأتفحص النتائج وأزور المقرّبين. كانت زيارتي الأولى لكنيسة القديسين بطرس وبولس وقد كان الزجاج على الأرض، وزرت منزل الحبيبة نبيهة الياس رحمها الله، لأر نفسي أمام دار الصياد، اشاهد دخول السوريين من جهة والدمار الذي حل في طوابقها. رأيت الكلمة دامية ومدماة في دار سعيد فريحة، المطابع والمكاتب والكراسي كلها خربت ولم أكن أسمع سوى نعيق البوم والغربان. قفلت عائدًا إلى منزل فؤاد دعبول الحبيب، أتفقده مع نهاد زوجته ورفيق عمري كابي ولده والعائلة بأسرها، لأرى المنزل قد تعرّض للقصف وإحدى غرف البيت مصابة بصورة مباشرة. وظلّ مشهد دار الصياد بخرابه بالنسبة لي مؤلمًا للغاية.

ليس السرد هنا محصورًا بالحنين بل بالتاريخ والحاضر. فالتاريخ حين يقطع عن أرض الأحياء يموت. والحاضر إذا لم يستمدّ حضوره من التاريخ كضوء له وللمستقبل يبطل وجوده بالكليّة. لا ترتبط مسألة قرار إقفال جريدة الأنوار ودار الصياد بزعم سمعناه غير مرّة عن امتداد الجرائد الإلكترونية وسيطرتها على حساب الجرائد الورقية. ففي فرنسا أظهرت الإحصاءات استمرار انكباب الناس على الجريدة الورقية بسبب جديّة ما يقدّم من مواد يحترم مقدموه عقله فلا يتم تزوير الحقائق ولا تأويل المعاني ولا تزوير الرؤى. أمانة الكاتب والناشر مصدر لكلّ نجاح، وقد ظهر غير مرّة بأنّ الصحف الفرنسية لم تعلّب وتغلّف بأموال سياسيّة أو خارجيّة، بل كانت دومًا تربح من مبيعها. مشكلة الإعلام اللبنانيّ ومشكلة الصحافة فيه، أنّها تمثّل الدول التي تكرمها بالمال، سواء كان سعوديًّا أو ليبيًّا… أو… لقاء الترويج لسياسات تلك الدول ومصالحها على حساب مصلحة لبنان وشعبه وسيادته وكرامته. ويروي أحد الظرفاء وهو الصديق الدكتور جورج متري المرّ بأن الرئيس شارل حلو رحّب مرّة بالصحافيين اللبنانيين قائلاً لهم أهلا وسهلا بكم في بلدكم الثاني لبنان!!!

وليسمح لنا بالقول، بأنّ المواقع الإلكترونية ليست سببًا في إقفال الصحف. فالجرائد الورقية لا تزال جزءًا من حياتنا، نضعها على موائدنا الصباحية، نقراها مع الفطور واحتساء القهوة، فالكلمة المطبوعة خبز حياة لنا. كان غسان تويني رحمه الله، ينتظر في مكتبه حتى صدور العدد الأول من جريدة النهار، كان بستلذ رائحة الحبر الممزوجة برائحة الورق الساخن، ولا ينسى أحد رثاءه لميشال أبو جودة حين قال، إن جسد الصحافي لم يعد من لحم ودم بل من ورق الجريدة ودمه هو الحبر النازف من الورق وعليه. هل أدرك آل فريحة الكرام معنى هذه الحقيقة، هل تذكروا ان والدهم سعيد زجّ به في السجن إلى جانب غسان تويني بسبب عشقه حرية الكلمة؟ لو تذكّروا التاريخ لما أغلقوا الباب على الحاضر والمستقبل، ولا سمحوا بتشريد كتّاب عريقين بجور كثيف، فيما هم ينعمون بطيبات الحياة. لو كان سعيد فريحة العملاق حيًّا لكان صرخ بوجه بنيه لا تعبثوا بي فهذه الدار أنا وأنا الدار وإغلاقكم لها قتل لي!!!
مع إغلاق الدار، مات سعيد فريحة مرتين. المر الأولى سنة 1978 والمرة الثانية هذه السنة. وهو يبكي على مصير من أحيوا الدار بالكلمة.
وإلى أعمدة الدار المضيئة، ستبقون أنوارًا لا تنطفئ أبدًا.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاهد أيضاً

“الثنائي” : لا حكومة اذا لم يسمِ الشيعة وزراءهم

المبادرة الفرنسية تعطّلت، ولا حكومة في المدى القريب وربما البعيد. والرئيس المكلف مصطفى اديب يلوح …